اسماعيل بن محمد القونوي
190
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بالأسباب فإذا كان الأمر كذلك فتشابه أجزائها يقتضي تبدلها بالفعل لا جوازه فقط . قوله : ( لامتناع اختصاص كل منها لذاته أو شيء من لوازمه بحيز ووضع معينين ) لامتناع الخ لأن تشابه الأجزاء يقتضي الاشتراك في اللوازم والتحيز مع أنه لا اشتراك فيهما بداهة فلا بد من مخصص خارج وهو الجبال بجعل اللّه الملك المتعال وإن كان ذلك المخصص هو اللّه تعالى بقدرته التامة حقيقة لكن اللّه تعالى جعل الجبال أوتادا كما أوجد الأشياء بالأسباب مثل خلق الثمرات من الماء الممزوج بالتراب مع أنه قادر على أن يوجد الأشياء كلها بلا أسباب ومواد كما أبدع نفوس الأسباب والمواد بدون أسباب كذا صرح به المصنف في قوله تعالى : وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً [ البقرة : 22 ] الآية من سورة البقرة وبهذا البيان اندفع الإشكال بالرواسي بأنها من جنس الأرض والتبدل ممكن فلا بد له من مخصص لأنها مع الأرض كالمسبب مع السبب حيث أبدع المسبب بالسبب وأوجد السبب بلا سبب وهنا جعل الجبال مختصة لأجزاء الأرض بوضع معين وحيز مخصوص وأما الجبال نفسها فكون أجزائها مخصصة بوضع وحيز معينين بقدرته القاهرة فما هو جوابكم في السبب والمسبب فهو جوابنا في الأرض والجبال والعجب من الفاضل السعدي حيث تصدى هنا للأبحاث الواهية تغافلا عن التحقيقات المذكورة الأنيقة وقد استدل المصنف في سورة البقرة بالبساطة وتشابه الأجزاء على وجود صانع قادر حكيم ووحدانيته كما أشرنا إليه من أن المخصص هو الصانع الحكيم الخبير وما ذكر هنا بالنظر إلى جري العادة كما هو القاعدة . قوله : ( وَبَثَّ فِيها [ لقمان : 10 ] ) أي نشر فيها حاصله أوجد فيها أو نشر فيها . قوله : ( من كل صنف كثير المنفعة ) أي المراد بالزوج الصنف والمراد بالصنف النوع ولعله أشار بهذا إلى صنفين اثنين من جميع أنواع الثمرة كالحلو والحامض والأسود والأبيض والصغير والكبير كما صرح به في سورة الرعد قوله كثير المنفعة بيان معنى الكريم فإن الكريم من كل نوع ما يجمع فضائله . قوله : ( وكأنه استدل بذلك على عزته التي هي كمال القدرة وحكمته التي هي كمال العلم ) وكأنه استدل الخ أشار به إلى ارتباطه بما قبله وترك العطف لأنه كالدليل عليه وجملة مستأنفة كأنه قيل بماذا علم عزته وحكمته قوله كمال القدرة تفسير العزة المرادة هنا ولها معان أخر فعلى هذا تكون العزة من الصفات الذاتية والحكمة أيضا منها إذ الأول راجع إلى القدرة والثاني إلى العلم الكامل قال في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : إِنَّكَ أَنْتَ قوله : وكأنه استدل بذلك على عزته الخ يعني لما وصف اللّه تعالى ذاته بكمال العزة والقدرة حيث قال : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ لقمان : 9 ] استشهد على اتصافه بهما بقوله : خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ [ لقمان : 10 ] إلى قوله : هذا خَلْقُ اللَّهِ [ لقمان : 11 ] وجه كونه دليلا عليه كونه متضمنا لما يدل عليه فأورد على وجه الاستئناف بيانا للدليل الدال عليه فكأن سائلا قال ما الدليل على ذلك فقال : خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ [ لقمان : 10 ] الآية .